بين الانتقال الديمقراطي والانتقال الاجتماعي… أخنوش في ميزان التاريخ
#image_title

بين الانتقال الديمقراطي والانتقال الاجتماعي… أخنوش في ميزان التاريخ

حجم الخط + -

بإيجاز:
اعتبر الصحفي رضوان مبشور أن أخنوش لم يأت فقط بسياسات جديدة، بل أعاد الاعتبار لمفهوم الحكومة كفاعل مؤسساتي مسؤول، وكعنوان لجدية الدولة.
وأكد أنه ما بين تجربة حكومة أخنوش التي أسست لانتقال اجتماعي واقتصادي، وحكومة اليوسفي التي أرست الانتقال الديمقراطي، من المؤكد أن التاريخ، كما جرت عادته، سيعيد ترتيب الأحكام… وقد يكون أكثر إنصافا مما نتصور اليوم.

في السياسة، لا يقاس أثر التجارب بحجم الضجيج الذي يرافقها، بل بعمق التحولات التي تحدثها في بنية الدولة والمجتمع.

ومن هذه الزاوية تحديدا، تبدو تجربة عزيز أخنوش في رئاسة الحكومة واحدة من أكثر التجارب إثارة للنقاش العمومي، بحكم أنها أكثر الحكومات تأثيرا في قيادة التحولات الانتقالية فيمسار العهد الجديد، سواء على مستوى إعادة الاعتبار للمؤسسات أو على مستوى إطلاق إصلاحات هيكلة عميقة.

فمنذ توليه رئاسة الحكومة، ملئ عزيز أخنوش ساحة النقاش العمومي وشغل أسلوبه وكاريزمته المختلفة الناس، وبعد قرابة خمس سنوات على بداية ولايته الحكومية، يطرح السؤال الجوهري: كيف يمكن أن نقيم تجربة أخنوش ليس بمنطق اللحظة المتسرعة بل بمنطق المسار وبإنصاف التاريخ؟

القراءة المتأنية لتجربة أخنوش في رئاسة الحكومة لا تقف عند مستوى الخطاب، بل تتجه إلى تحليل منطق الاشتغال، وحجمالقرارات، وطبيعة التحولات التي تم إطلاقها. وهنا تحديدايمكن أن نفهم أن أخنوش قاد تجربة مختلفة عن أسلافه، تجربة لم تكتفي بمنطق التدبير اليومي، ولكن انتقلت إلى منطق البناء الاستراتيجي.

أول ما يميز هذه التجربة هو أنها أعادت الاعتبار لرئاسة الحكومة كمؤسسة قائمة الذات، بعد سنوات من التآكل الرمزي الذي جعلها في بعض الأحيان أسيرة الخطاب أكثر من الفعل.

فقد حرص أخنوش على استعادة سلطة القرار داخل الجهاز التنفيذي، ليس بمنطق التحكم، بل بمنطق التنسيق والانسجام، جاعلا من الحكومة فضاء لإنتاج السياسات لا لتدبير الخلافات. ومن خلال هذا التحول أعاد للمنصب وزنه المؤسساتي، وربطه مجددا بوظيفته الأصلية: قيادة العمل الحكومي بمنطق الدولة لا بمنطق الخطابة.

في السياق ذاته، أعاد أخنوش صياغة العلاقة بين الخطاب السياسي والفعل العمومي. فبعد مرحلة طغت فيها اللغة الحماسية والشعارات، اختار خطابا هادئا، مباشرا، ومبنياعلى الأرقام والمعطيات.

هذا الاختيار لم يكن مجرد تحول شكلي، بل تعبيرا عن إرادة في إعادة الثقة إلى السياسة، من خلال نقلها من مجال المزايدة إلى مجال المسؤولية. وهنا تحديدا فإن تراجع منسوب الشعبوية لدى صانع القرار، ليس بقرار إداري، بل بفعل استعادة السياسة لوظيفتها الأصلية المتمثلة في تقديم الحلول بدل تضخيم الأزمات.

هذا التحول في الخطاب لم يكن معزولا عن الفعل، بل كان موازيا له. فقد عملت الحكومة على تنزيل إصلاحات مهيكلة، خصوصا في المجالات الاجتماعية، ما منح السياسة معناها الحقيقي كأداة للتغيير.

وإذا كان من الضروري إجراء مقارنة مع الحكومات الخمس الماضية التي طبعت العهد الجديد، فإن الفارق الجوهري لا يكمن فقط في الحصيلة، بل في طبيعة المقاربة: الانتقال من منطق الإنجازات المتفرقة إلى بناء مسار إصلاحي متكامل.

اقتصاديا، يصعب إنكار أن حكومة أخنوش أعادت للدولة دورها الاستثماري، وسعت إلى استعادة ثقة الفاعلين الاقتصاديين في ظرفية دولية معقدة.

وفي هذا الإطار، تبدو المقارنة الأقرب مع تجربة إدريس جطو، التي شكلت بدورها محطة بارزة في إعادة هيكلة الاقتصاد الوطني. فالقاسم المشترك بين التجربتين هو وضوح الرؤية، والقدرة على التوفيق بين متطلبات التوازنات المالية وضرورة تحفيز الاستثمار، بما يعكس ما يمكن تسميته بـ“الانتقال الاستراتيجي” في تدبير الاقتصاد.

لكن البعد الأعمق في تجربة أخنوش يتجلى في إطلاق ما يمكن وصفه بـ“الانتقال الاجتماعي”، من خلال أوراش كبرى مثل تعميم الحماية الاجتماعية، ودعم القدرة الشرائية، وإصلاح قطاعي الصحة والتعليم. هذه التحولات لا تقل أهمية عن التحولات السياسية الكبرى، لأنها تعيد صياغة العلاقة بين الدولة والمواطن على أساس الإنصاف والحماية، وتؤسس لمرحلة جديدة عنوانها العدالة الاجتماعية.

وهنا تبرز المقارنة مع تجربة عبد الرحمان اليوسفي، التي قادت مرحلة الانتقال الديمقراطي. فرغم اختلاف السياقات، تشترك التجربتان في كونهما أطلقتا تحولات عميقة، وتعرضتا في الآن ذاته لانتقادات حادة في زمنهما. تجربة اليوسفي أرست قواعد التناوب الديمقراطي، وتجربة أخنوش وضعتأسس الانتقال الاجتماعي. وفي الحالتين، يتجاوز أثر التجربة عمرها الزمني، ليصبح جزءا من مسار الدولة نفسها.

أما من حيث منهجية الاشتغال، فإن التقاطع بين حكومتي جطو وأخنوش يتجلى في الانتقال من منطق رد الفعل إلى منطق المبادرة، ومن تدبير الأزمات إلى صناعة الخيارات. هذا التحول قد لا يكون صاخبا في تنزيله، لكنه يترك أثرا عميقا في بنية السياسات العمومية، لأنه يعيد توجيه الدولة نحو الفعل الاستباقي بدل الاكتفاء بالتفاعل مع الأزمات.

صحيح أن تجربة أخنوش لم تكن بمنأى عن التحديات، سواء المرتبطة بالسياق الدولي أو بتراكمات داخلية، لكن ما يميزها هو قدرتها على الحفاظ على تماسك القرار الحكومي، والاستمرار في تنفيذ الإصلاحات رغم كلفتها السياسية.

وهذا عنصر حاسم، لأن الإصلاح الحقيقي بطبيعته لا يكون شعبويا، بل يتطلب قدرا من الجرأة والوضوح، حتى وإن كان ذلك على حساب الشعبية الآنية.

وهكذا، فإن أخنوش لم يأت فقط بسياسات جديدة، بل أعاد الاعتبار لمفهوم الحكومة كفاعل مؤسساتي مسؤول، وكعنوان لجدية الدولة.

وبين تجربة حكومة أخنوش التي أسست لانتقال اجتماعي واقتصادي، وحكومة اليوسفي التي أرست الانتقال الديمقراطي، من المؤكد أن التاريخ، كما جرت عادته، سيعيد ترتيب الأحكام… وقد يكون أكثر إنصافا مما نتصور اليوم.

تابع إيجاز بلس على جوجل
اختر إيجاز بلس مصدراً مفضلاً لتظهر لك أخبارنا أولاً في نتائج «أهم الأخبار».

أضف إيجاز بلس كمصدر مفضل في جوجل