
مع كل أسفي يا آسفي

مع كل أسفي يا آسفي، لا نقولها اليوم مجازا ولا ترفاً لغويا، بل نقولها بمرارة مدينة وجدت نفسها مرة أخرى في مواجهة قدر قاس، كشف أكثر مما أخفى، وعرّى اختلالات تراكمت لسنوات تحت مسمى “التدبير” و“التنمية”. فاجعة الفيضان التي ضربت المدينة ليست مجرد حادث عرضي ناتج عن تساقطات مطرية قوية، بل هي نتيجة طبيعية لمسار طويل من الإهمال، وسوء التخطيط، وغياب الرؤية الاستباقية في مدينة يفترض أنها تعرف طبيعتها الجغرافية ومخاطرها المناخية.
ما وقع في آسفي لم يكن مفاجئا للساكنة. الجميع يعرف الأحياء المنخفضة، ومجاري المياه التي تتحول عند أول اختبار حقيقي إلى مصائد للموت، وشبكات الصرف التي لا تصمد أمام كميات متوسطة من الأمطار، فكيف إذا كانت استثنائية؟ الجديد فقط هو حجم الخسائر البشرية والمادية، وحدّة الصدمة، وسؤال “إلى متى؟” الذي انفجر دفعة واحدة في وعي المواطنين.
أن تتحول الشوارع إلى أنهار، والمنازل إلى فخاخ، والسيارات إلى حطام عائم، فهذا لا يمكن تفسيره فقط بغضب السماء. المسؤولية هنا أرضية بامتياز. مسؤولية تخطيط حضري لم يواكب التوسع العمراني، ومسؤولية مشاريع إما لم تنجز أو أنجزت بمنطق الترقيع، ومسؤولية مؤسسات تشتغل بمنطق ردّ الفعل لا الوقاية. فالكوارث الطبيعية لا تصبح مآسي إنسانية إلا عندما تفتقد المدن لمنظومات الحماية والجاهزية.
المؤلم في فاجعة آسفي ليس فقط عدد الضحايا ولا حجم الخسائر، بل الإحساس الجماعي بأن الأرواح التي أزهقت كان يمكن إنقاذها، وأن هذه المأساة كان يمكن تقليص آثارها لو حضرت الجدية قبل وقوع الكارثة لا بعدها. فبعد كل فيضان، تتكرر نفس الصور: لجان، وبلاغات، ووعود، ثم صمت طويل إلى أن تعود الأمطار من جديد، ويُعاد طرح الأسئلة نفسها وكأن الذاكرة الجماعية مبتورة.
آسفي، المدينة التي أعطت الكثير لهذا الوطن، من تاريخ وصناعة وصيد بحري ورأسمال بشري، تستحق أكثر من هذا الواقع الهش. تستحق أن تُعامل كمدينة لها خصوصيتها وتحدياتها، لا كرقم في تقارير موسمية. تستحق بنية تحتية تحترم الإنسان قبل الإسفلت، وتستحق تخطيطاً يحسب حساب أسوأ السيناريوهات لا أفضلها، لأن المدن لا تُقاس بجمال مشاريعها على الورق، بل بقدرتها على حماية سكانها في لحظات الخطر.
ورغم كل الألم، أظهرت فاجعة الفيضان وجهاً آخر لآسفي، وجهاً إنسانياً متضامناً، حيث بادر المواطنون، كل حسب استطاعته، للمساعدة والإنقاذ وفتح البيوت وتقاسم الخسارة. هذا الوعي الجماعي هو الرأسمال الحقيقي للمدينة، لكنه لا يمكن أن يظل بديلاً عن مسؤوليات الدولة والمؤسسات المنتخبة. فالتضامن فضيلة، لكنه لا يعوّض غياب السياسات العمومية الجادة.
مع كل أسفي يا آسفي، لا نكتب هذا الكلام للندب ولا لتصفية الحسابات، بل لأن الصمت أخطر من الفيضان نفسه. لأن أخطر ما يمكن أن يحدث بعد هذه الفاجعة هو أن تمرّ كما مرت سابقاتها، دون محاسبة حقيقية، ودون تغيير جذري في طريقة التفكير والتدبير. آسفي لا تحتاج إلى تعاطف موسمي، بل إلى قرار شجاع يجعل من هذه المأساة آخر إنذار قبل فوات الأوان.
تابع إيجاز بلس على جوجل
اختر إيجاز بلس مصدراً مفضلاً لتظهر لك أخبارنا أولاً في نتائج «أهم الأخبار».

