
هل بدأ «البام» يربك حسابات «الأحرار» قبل الانتخابات؟
في السياسة، لا تكمن أهمية تحرك الخصم فقط في عدد الأسماء التي يستقطبها، وإنما في الأثر الذي يتركه هذا التحرك على حسابات الحزب المنافس. ومن هذه الزاوية، يبدو أن تحركات حزب الأصالة والمعاصرة بدأت تفرض نفسها على حسابات التجمع الوطني للأحرار، وتدفعه إلى التعامل مع الاستحقاقات المقبلة باعتبارها معركة مفتوحة، لا مجرد محطة انتخابية يمكن التحكم في مخرجاتها مسبقا.
البلاغ الأخير لا يمكن فصله عن هذا السياق. فحين يخرج حزب بموقف سياسي في مرحلة بدأت فيها الخريطة الانتخابية تعرف إعادة تموقع، فإن الرسالة لا تكون موجهة فقط إلى الرأي العام، بل أيضا إلى المنتخبين والمرشحين والفاعلين المحليين الذين يراقبون بدقة اتجاه موازين القوة.
وهنا تظهر قوة «البام».
فالحزب لا يتحرك فقط من موقع المنافسة على المقاعد، بل يبدو أنه يشتغل على إعادة بناء موازين النفوذ، عبر استقطاب أسماء وازنة وفتح المجال أمام انتقالات يمكن أن تكون لها كلفة سياسية وانتخابية على خصومه، وفي مقدمتهم «الأحرار».
المشكلة بالنسبة إلى التجمع الوطني للأحرار ليست بالضرورة في خسارة هذا الاسم أو ذاك، وإنما في أن تتحول هذه التحركات إلى إشارة سياسية أوسع مفادها أن الحزب لم يعد يمتلك وحده القدرة على استقطاب الوجوه الانتخابية المؤثرة.
وهذا تحديدا ما يمكن أن يثير القلق داخل «الأحرار».
فالحزب الذي تصدر الانتخابات السابقة ويقود الحكومة يجد نفسه اليوم أمام معادلة مختلفة: عليه الدفاع عن حصيلته الحكومية من جهة، والحفاظ على امتداده الانتخابي والتنظيمي من جهة أخرى، في وقت يعمل فيه خصم قوي على استثمار أي نقطة ضعف في صفوفه.
والأخطر انتخابيا أن المنافسة لا تبدأ يوم الاقتراع. إنها تبدأ عندما يبدأ المنتخب في التساؤل عن الحزب الذي يستطيع أن يضمن له موقعا أقوى في المرحلة المقبلة.
إذا نجح «البام» في خلق هذا الشعور لدى جزء من النخب المحلية، فإن المعركة تنتقل من مجرد منافسة انتخابية إلى إعادة توزيع للثقة السياسية.
وهنا يمكن فهم سبب حساسية التحركات الأخيرة. فالأحزاب لا تخشى فقط خسارة المقاعد، وإنما تخشى أن تتغير صورة القوة في أعين المرشحين والمنتخبين. لأن المرشح، في النهاية، يبحث عن الحزب الذي يعتقد أنه قادر على تحقيق نتيجة قوية.
من هذه الزاوية، يمكن القول إن «البام» بدأ يضغط على واحدة من أكثر نقاط قوة «الأحرار»: شبكته الانتخابية وحضوره المحلي.
لكن ذلك لا يعني أن «الأحرار» أصبح في موقع الخاسر. فالانتخابات لا تحسمها الانتقالات الفردية، ولا البلاغات، ولا الضجيج السياسي السابق لأوانه. كما أن الحزب ما زال يتوفر على موقع حكومي وتنظيمي وسياسي يمنحه أدوات مهمة لخوض المعركة.
غير أن الفرق اليوم هو أن الاطمئنان لم يعد كافيا.
لقد أصبح على «الأحرار» أن يدافع عن موقعه، لا فقط أن يراهن على استمرار قوته السابقة. وفي المقابل، يبدو أن «البام» يحاول تحويل موقعه كحزب منافس إلى قوة جذب انتخابية، وهذه ربما هي أهم نقطة في المشهد الحالي.
فالانتخابات المقبلة قد لا تكون معركة بين حزب يملك القوة وحزب يحاول اللحاق به، وإنما معركة بين حزب يريد الحفاظ على الصدارة، وحزب يريد إقناع الجميع بأن مرحلة جديدة من موازين القوة قد بدأت.
ولهذا، فإن السؤال السياسي الحقيقي ليس: هل أزعج «البام» «الأحرار»؟
بل: هل بدأت تحركات «البام» تجعل داخل «الأحرار» يشعر بأن الحفاظ على الصدارة أصبح معركة، بعد أن كان الفوز يبدو في مرحلة سابقة أقرب إلى الاستحقاق؟
إذا كان الجواب نعم، فإن قوة «البام» لا تقاس فقط بما كسبه حتى الآن، وإنما بما نجح في إحداثه داخل حسابات خصمه.
وهذه، في السياسة، واحدة من أوضح علامات أن المنافسة الانتخابية بدأت فعلا.
تابع إيجاز بلس على جوجل
اختر إيجاز بلس مصدراً مفضلاً لتظهر لك أخبارنا أولاً في نتائج «أهم الأخبار».

