
المغرب بين قوة النخب وتحدي صناعة القيمة المستدامة: قراءة في تقرير 2026
بإيجاز:
كشف تقرير جودة النخب 2026 تراجع المغرب خمس مراتب ليحتل المركز 92 عالمياً، لكنه أظهر تفوقاً لافتاً في مؤشر صناعة القيمة للأجيال القادمة. ويؤكد التقرير أن النجاح الحقيقي يكمن في تحويل القوة إلى قيمة مستدامة، وليس مجرد امتلاكها.
في عالم يزداد تعقيداً وتغيراً، لم تعد مؤشرات النجاح الاقتصادي والتنموي للدول مقتصرة على حجم الموارد أو القوة المادية فحسب. بل بات التركيز ينصب بشكل متزايد على قدرة النظم والمؤسسات على تحويل هذه الإمكانات إلى قيمة حقيقية ومستدامة تخدم المجتمع وتدعم الأجيال القادمة. في هذا السياق، يقدم تقرير جودة النخب 2026، الصادر عن مؤسسة Foundation for Value Creation بسويسرا، رؤية عميقة ومبتكرة لتقييم أداء 151 دولة حول العالم، مركزاً على مفهوم “النخب” كقوى دافعة لصناعة القيمة أو استخلاصها.
يعرف التقرير النخب بأنها المجموعات التي تدير نماذج الأعمال الأكثر توليداً للدخل، والقادرة على حشد الموارد البشرية والمالية والمعرفية. ويقيس مؤشر جودة النخب (EQx) مدى فعالية هذه النماذج في إنتاج قيمة للمجتمع والاقتصاد، في مقابل ما تستحوذ عليه من قيمة. وتشدد المؤسسة المشرفة على التقرير، بالتعاون مع شبكة دولية من الباحثين والخبراء، على أن النظم التي تتميز بجودة عالية لنخبها تكون أكثر إسهاماً في التنمية الاقتصادية والبشرية على المدى الطويل، مما يفرض تحدياً على الدول للانتقال من مجرد “استخراج القيمة” إلى “صناعتها”.
بالنظر إلى النتائج الخاصة بالمملكة المغربية، يضع تقرير 2026 المغرب في المرتبة 92 عالمياً من أصل 151 دولة، محققاً 47.2 نقطة إجمالية. يشير هذا التصنيف إلى تراجع بخمس مراتب مقارنة بتصنيف العام السابق 2025. وتتوزع هذه النتيجة بين المرتبة 69 في مؤشر القوة (47.8 نقطة) والمرتبة 103 في مؤشر القيمة (46.9 نقطة)، مما يسلط الضوء على فجوة بين امتلاك القوة وقدرة النخب على تحويلها إلى قيمة مضافة. وقد استندت هذه التقييمات إلى 127 نقطة بيانات متاحة ضمن المؤشرات المعتمدة.
لكن الصورة تتبدل بشكل لافت عند تحليل أداء المغرب في مقياس صناعة القيمة للأجيال القادمة (NextGen Value Creation Barometer)، حيث يحتل المغرب المرتبة 40 عالمياً، متقدماً بأربع مراتب عن السنة الماضية، وبفارق 52 مرتبة أفضل من موقعه في التصنيف العام. ويبرز هذا التفوق في مؤشرات فرعية مثل الابتكار والتكنولوجيا (47)، والصحة والرفاه (49)، والتعليم ورأس المال البشري (55)، وتكافؤ الفرص (61)، رغم تراجعه في البيئة ورأس المال الطبيعي (95). كما جاء المغرب في المرتبة 83 عالمياً ضمن عائلة مؤشرات الذكاء الاصطناعي، وفي المرتبة 26 إفريقياً ضمن قراءة EQxAfrica الإقليمية.
يؤكد خبراء اقتصاديون وباحثون دوليون على الأهمية الجوهرية لمخرجات هذا التقرير. فقد أشار الأستاذ في جامعة فودان، جانغ جون، إلى ضرورة أن تستند الإصلاحات إلى تعديل نظام الحوافز لضمان عمل نماذج أعمال النخب على صناعة القيمة بدلاً من نقلها. وفي السياق ذاته، يرى الاقتصادي كوشيك باسو، الأستاذ بجامعة كورنيل وكبير الاقتصاديين السابق في البنك الدولي، أن النخب تلعب دوراً محورياً في نجاح الدول أو فشلها، بقدرتها على تعزيز الرفاه العام أو عرقلة التقدم.
لا يقتصر التقرير على مجرد ترتيب الدول، بل يتعمق في تحليل العلاقة بين جودة النخب والنمو الاقتصادي، والذكاء الاصطناعي، والتحولات بين الأجيال، والبيئة والتنوع والإدماج. ويشير القائمون على المشروع إلى أن هذه البنية متعددة المستويات تتيح قراءة شاملة للاقتصاد السياسي لكل بلد، متجاوزة الاقتصاد الصرف لتستفيد من علوم الإدارة وعلم الاجتماع. ورغم الثراء التحليلي الذي يقدمه التقرير بمساهمة 42 باحثاً وخبيراً، لم تظهر ضمن قائمة المساهمين المنشورة مشاركة أي باحث من جامعة أو مؤسسة بحثية عربية.
يقر مؤلفو التقرير بوجود حدود منهجية، خاصة فيما يتعلق بتوافر البيانات الذي يختلف بين الدول، مما قد يؤثر على حساسية ترتيب البلدان المتوسطة والمتأخرة. ومع ذلك، يمثل هذا التقرير، الذي يستعد لإصدار نسخته لعام 2027، مرجعاً قيماً لفهم عالم الاقتصاد السياسي المتغير باستمرار، ويقدم رؤى عميقة للواقع الاقتصادي الراهن واستشرافاً لآفاق نمو الدول من خلال رصد الأسس الجزئية لصناعة القيمة المستدامة.
تابع إيجاز بلس على جوجل
اختر إيجاز بلس مصدراً مفضلاً لتظهر لك أخبارنا أولاً في نتائج «أهم الأخبار».

