الذباب الإلكتروني في المشهد الحزبي المغربي: بين التأثير والتضليل

الذباب الإلكتروني في المشهد الحزبي المغربي: بين التأثير والتضليل

حجم الخط + -

لم يعد النقاش السياسي في المغرب يدار فقط داخل قاعات البرلمان أو عبر المنابر الإعلامية التقليدية، بل انتقل بشكل مكثف إلى الفضاء الرقمي، حيث تصنع الانطباعات، وتدار المعارك، ويعاد تشكيل الرأي العام في صمت. في هذا السياق، برزت ظاهرة “الذباب الإلكتروني” كأداة جديدة ضمن ترسانة الفاعلين السياسيين، وعلى رأسهم الأحزاب، التي وجدت في هذه الوسيلة طريقا مختصرا للتأثير، وأحيانا للتضليل.

اللافت في الحالة المغربية أن هذه الظاهرة لا تُمارس بشكل عفوي أو معزول، بل تتخذ طابعا شبه مؤسساتي في بعض الأحيان. فعدد من الأحزاب بشكل مباشر أو عبر وسطاء بات يعتمد على شبكات رقمية منظمة، تضم حسابات حقيقية وأخرى وهمية، تدار وفق أجندات دقيقة: الدفاع المستميت عن الزعيم، تبرير الإخفاقات، تحويل الأنظار عن القضايا الجوهرية، أو شن هجمات مركزة ضد الخصوم. وهنا، لم يعد الأمر يتعلق فقط بالتواصل السياسي، بل بما يمكن تسميته بـ”هندسة الإدراك الجماعي”.

هذا التحول يكشف عن أزمة أعمق داخل البنية الحزبية المغربية. فبدل الاستثمار في تأطير المواطنين، وتجديد النخب، وتطوير الخطاب السياسي، اختارت بعض الأحزاب الانخراط في منطق “الترند” و”البوز”، حيث تُقاس الفعالية بعدد التفاعلات، لا بعمق الأفكار. وهكذا، يتحول الفضاء الرقمي إلى امتداد لصراعات داخلية وخارجية، تُدار بأدوات تفتقر في كثير من الأحيان إلى الحد الأدنى من الأخلاقيات السياسية.

الأخطر من ذلك، أن الذباب الإلكتروني لا يكتفي بالترويج أو الهجوم، بل يساهم في خلق واقع بديل. يتم تضخيم إنجازات محدودة إلى حد الأسطورة، مقابل شيطنة ممنهجة لأي صوت نقدي، سواء كان صحفيا أو ناشطا أو حتى مواطنا عاديا. ومع تكرار الرسائل وتكثيفها، يصبح من الصعب على المتلقي التمييز بين الحقيقة والدعاية، خاصة في ظل ضعف الثقافة الإعلامية لدى جزء من الجمهور.

ولا يمكن فصل هذه الظاهرة عن طبيعة العلاقة بين السياسة والسلطة في المغرب. فحين تضيق مساحات الوساطة التقليدية، وتفقد الأحزاب جزءا من مصداقيتها التمثيلية، تبحث عن بدائل لاستعادة التأثير، ولو بشكل افتراضي. وهنا، يصبح الذباب الإلكتروني وسيلة لتعويض الفراغ، وخلق انطباع زائف بوجود دعم شعبي واسع، أو على الأقل لإرباك الخصوم وتشتيت النقاش.

لكن هذا “النجاح” الظاهري يحمل في طياته كلفة باهظة. فهو يساهم في مزيد من تآكل الثقة في العمل السياسي، ويعمق الفجوة بين المواطن والمؤسسات، ويفرغ النقاش العمومي من مضمونه الحقيقي. والأسوأ، أنه يكرّس ثقافة تقوم على الإقصاء والتخوين بدل الاختلاف والحوار، ما يهدد على المدى البعيد أسس التعددية والديمقراطية.

في المقابل، تبدو آليات المواجهة محدودة. فالإطار القانوني لا يزال متأخراً عن مواكبة هذه التحولات، والمنصات الرقمية تتحرك وفق منطق تجاري لا يعطي الأولوية دائما لجودة المحتوى أو مصداقيته. أما الأحزاب نفسها، فقلّما تبادر إلى نقد ذاتها في هذا الجانب، ما دام “السلاح” متاحاً للجميع.

إن الرهان اليوم لا يتعلق فقط بكشف هذه الممارسات، بل بإعادة الاعتبار للفعل السياسي النبيل، القائم على الإقناع والشفافية والمحاسبة. فالديمقراطية لا تُبنى بالهاشتاغات الموجهة، ولا بالتعليقات المدفوعة، بل بثقة المواطن، وهذه الثقة لا يمكن شراؤها رقميا.

في النهاية، قد تنجح الأحزاب في كسب معركة افتراضية هنا أو هناك، لكنها تخاطر بخسارة المعركة الأهم: معركة المصداقية. وفي سياق مغربي يتسم أصلا بضعف المشاركة السياسية، فإن الاستمرار في هذا النهج قد لا يؤدي إلا إلى تعميق العزوف، وتحويل السياسة إلى مجرد عرض رقمي بلا روح.

تابع إيجاز بلس على جوجل
اختر إيجاز بلس مصدراً مفضلاً لتظهر لك أخبارنا أولاً في نتائج «أهم الأخبار».

أضف إيجاز بلس كمصدر مفضل في جوجل