
من المسؤول عن فاجعة فاس؟

فاجعة فاس التي راح ضحيتها أكثر من عشرين شخصًا ليست حادثًا عابرًا يمكن طيُّه بتصريحات رسمية أو بيانات تعزية. ما وقع في حي المسيرة ليس مجرد انهيار لبنايتين، بل انهيار لسلسلة كاملة من المسؤوليات؛ من التراخيص، إلى المراقبة، إلى التنفيذ، إلى المتابعة. وعندما تنهار سلسلة المسؤولية، تسقط الأرواح معها.
من المسؤول؟ سؤال لا يقبل الغموض
في مشاريع البناء، لا يمكن أن يكون هناك «فاعل مجهول». كل لبنة توضع في أي عمارة تمر من يد، وعين، وقرار. ولذلك فإن السؤال الجوهري اليوم ليس: كيف انهارت العمارتان؟ بل:
من سمح بحدوث هذا الانهيار؟
المعطيات الأولية المتداولة تشير إلى وجود طوابق أُضيفت بشكل غير قانوني، وأن البناء عرف تغييرات لم تُحترم فيها شروط السلامة. إذا صحّ ذلك، فهو يعني ببساطة أن هناك من وقّع، من غضّ الطرف، ومن سمح… ومن استفاد.
لكن المسؤولية لا تبدأ من صاحب المشروع، ولا تنتهي عند تقني جماعي أو مهندس مراقب؛ بل تمتد إلى المنظومة برمّتها: أجهزة المراقبة، لجان التتبع، السلطات المحلية، والهيئات التي يفترض أن تحمي المواطن من الغش قبل أن تحمي الإسمنت من الانهيار.
فاس تدفع الثمن… والمواطن أكبر الخاسرين
المؤلم في فاجعة فاس ليس الانهيار ذاته، بل تكرار نفس السيناريو في مدن مغربية عديدة عبر السنوات. كأننا نعيد كتابة نفس الخبر مع تغيير أسماء الضحايا فقط. وهذا دليل على أن الأمر لم يعد «خطأً فرديًا»، بل هو خلل بنيوي في طريقة تدبير قطاع التعمير في المغرب.
المواطن البسيط يشتري شقة لأنه يريد سقفًا آمنًا فوق رأسه، لا يملك الوسائل التقنية ليعرف جودة الخرسانة أو سلامة الأعمدة؛ هو يثق في الدولة، وفي القوانين، وفي المراقبة. لكن عندما يسقط المبنى فجأة ويُدفن ساكنوه تحت الركام، فإن الثقة هي أول الضحايا.
المحاسبة ليست انتقامًا… بل شرط للثقة
المطلوب اليوم ليس البحث عن كبش فداء، بل فتح تحقيق حقيقي وشفاف يحدد المسؤوليات بشكل فردي ومباشر، ويضع حدًا لثقافة الإفلات من العقاب. فكلما مرّت فاجعة دون محاسبة، أصبح الطريق ممهدًا لفاجعة جديدة.
المحاسبة هنا ليست إجراءً قضائيًا فقط، بل رسالة سياسية مفادها أن الأرواح أغلى من المصالح، وأن الدولة تقف بجانب المواطن قبل أي جهة أخرى.
تابع إيجاز بلس على جوجل
اختر إيجاز بلس مصدراً مفضلاً لتظهر لك أخبارنا أولاً في نتائج «أهم الأخبار».

