
الاستقلال: معركة التنمية تبدأ من القضاء على اقتصاد الريع
طرح نزار بركة، الأمين العام لحزب الاستقلال، مقاربة جديدة في التعاطي مع ملف محاربة الفساد، تقوم على اعتبار أن المعركة الحقيقية لا تكمن في تشديد العقوبات أو ملاحقة المتورطين فقط، وإنما في إزالة الشروط التي تسمح بظهور الفساد واستمراره داخل الإدارة والاقتصاد.
وخلال ندوة وطنية نظمها حزب الاستقلال بسلا حول “محاربة الفساد بالمغرب.. الواقع والتحديات”، دعا بركة إلى الانتقال من سياسة رد الفعل إلى سياسة الوقاية، معتبرا أن الإصلاح المؤسساتي أصبح شرطا لتحقيق النمو الاقتصادي، وتحسين مناخ الاستثمار، وتعزيز العدالة الاجتماعية.
وأكد أن التجارب الدولية أظهرت أن الاقتصادات الأكثر تنافسية ليست بالضرورة تلك التي تتوفر على قوانين أكثر، وإنما تلك التي تعتمد مؤسسات قوية، وإدارة بسيطة، ومساطر واضحة، وآليات فعالة للمراقبة والمحاسبة.
وفي هذا السياق، اعتبر أن التعقيد الإداري أصبح يمثل أحد أبرز العوائق أمام الاستثمار، لأنه يطيل آجال إنجاز المشاريع، ويرفع كلفتها، ويفتح المجال أمام الرشوة والوساطة واستغلال النفوذ، داعيا إلى مراجعة شاملة للمساطر الإدارية وتقليص الترسانة القانونية التي لم تعد تستجيب لمتطلبات النجاعة.
وربط بركة بين إصلاح الإدارة وتحسين القدرة التنافسية للاقتصاد الوطني، موضحا أن المقاولات، خصوصا الصغرى والمتوسطة، تحتاج إلى بيئة قانونية وإدارية مستقرة، أكثر من حاجتها إلى الامتيازات المؤقتة أو الدعم الظرفي.
ولم يخف الأمين العام لحزب الاستقلال أن جزءا مهما من مظاهر الفساد يرتبط باستمرار اقتصاد الريع، وهو ما يفرض، حسب تعبيره، إعادة تنظيم طرق منح الرخص والاستغلالات الاقتصادية، وربطها بدفاتر تحملات دقيقة، تجعل الاستفادة قائمة على الكفاءة والالتزام، لا على الامتياز.
كما دعا إلى إخراج إطار قانوني واضح يؤطر حالات تضارب المصالح، باعتبارها من أكثر الملفات تأثيرا على مصداقية المؤسسات وثقة المواطنين، مؤكدا أن الفصل بين المسؤولية العمومية والمصلحة الخاصة لم يعد خيارا، بل أصبح ضرورة لسلامة القرار العمومي.
وفي الشق المالي، شدد بركة على أن الدعم العمومي ينبغي أن يتحول من آلية للتوزيع إلى أداة لتحقيق النتائج، من خلال ربط مختلف أشكال التحفيز بالأثر الاقتصادي والاجتماعي، سواء في خلق فرص الشغل أو دعم الاستثمار أو تحسين القدرة الشرائية.
وأكد أن الدولة مطالبة اليوم بحماية المال العام عبر التقييم المستمر لبرامج الدعم، وربطها بأهداف قابلة للقياس، بما يضمن تحقيق المنفعة العامة ويمنع تحويل الموارد العمومية إلى امتيازات غير منتجة.
وفي معرض حديثه عن تحديث الإدارة، اعتبر بركة أن الرقمنة والذكاء الاصطناعي يمثلان مرحلة جديدة في مسار الإصلاح، لأنهما يقلصان التدخل البشري في معالجة الملفات، ويوفران معطيات دقيقة تساعد على كشف الاختلالات وتعزيز الشفافية.
كما دعا إلى تمكين مؤسسات الحكامة، وعلى رأسها مجلس المنافسة والهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، من صلاحيات وآليات أكثر فعالية، حتى تتمكن من التصدي للممارسات المخلة بالمنافسة، والتواطؤ في الأسعار، والإثراء غير المشروع.
ولم تخل الندوة من رسائل سياسية، إذ يأتي تنظيمها في مرحلة بدأت فيها الأحزاب السياسية إعداد تصوراتها للانتخابات المقبلة، ما يجعل إعادة طرح ملف محاربة الفساد مؤشرا على عودة قضايا الحكامة والشفافية إلى واجهة التنافس السياسي.
واختتم بركة مداخلته بالتأكيد على أن التنمية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية لا يمكن فصلهما عن جودة المؤسسات، معتبرا أن ربح معركة الاستثمار يبدأ من ربح معركة الثقة، وأن الثقة لا تبنى إلا بإدارة شفافة، وقانون يطبق على الجميع، ومؤسسات تجعل النزاهة قاعدة وليست استثناء.
تابع إيجاز بلس على جوجل
اختر إيجاز بلس مصدراً مفضلاً لتظهر لك أخبارنا أولاً في نتائج «أهم الأخبار».

