
حين يتحول السياسي إلى «مجعور».. بنكيران وعقدة «داء السُّعَار» السياسي
لم تفاجئ الخرجة الأخيرة، لعبد الإله بنكيران بإقليم النواصر المتابعين للمشهد السياسي، لكنها رسمت علامة استفهام كبرى حول حدود الانفلات اللفظي الذي بات يطبع خطاب الأمين العام لحزب العدالة والتنمية.
هذه المرة، لم يوجه سلاحه اللفظي إلى خصومه التقليديين في الحكومة أو الأحزاب المنافسة فقط، بل صب جام غضبه على رفيق دربه ورئيس الحكومة السابق، الدكتور سعد الدين العثماني، داعيا إياه بلهجة حادة وقاسية: «وأنا كنقول لسعد الدين لزم بيتك، قدّر عليك الله ما قدّر، لزم بيتك، وشد تيقارك واشتغل في الشؤون العلمية لي كنتي كتشتغل فيها من قبل، راك غير كتشوش على الإخوان ديالك… ها هما ليوم كي عايرونا بالتوقيع ديالك على التطبيع لي لا ذنب لنا فيه ولا علم لنا به والله على ما أقول شهيد»، بدعوى أن حضوره والتذكير بتوقيعه الاتفاقيات يسبب “التشويش” وتعييرا متواصلا للحزب.ورغم تسارعه اللاحق لنشر توضيح واعتبار يدعي فيه أن الإساءة لم تكن مقصودة، إلا أن الرصاصة كانت قد أُطلقت والتصريح علانية قد قيل، لينضاف ذلك إلى سجل حافل لم يسلم فيه أحد من لسانه، من خصوم ومواطنين وحتى أبناء بيته التنظيمي.
إن الرجل الذي شغل يوما من الأيام منصب رئيس الحكومة، والمفروض فيه أن يمثل رصانة رجل الدولة وحكمة السياسي المحنك، اختار للأسف خطابا ينطبق عليه بالدارجة المغربية وصف «السياسي المجعور». هذا النمط من السلوك لا يستند إلى مقارعة الفكرة بالفكرة أو انتقاد البرامج بالبدائل التنموية، بل يعتمد على المهاجمة المباشرة، والقصف اللفظي، وتسفيه الجميع. وما يمارسه بنكيران اليوم يتجاوز حدود الشعبوية المقبولة إلى حالة من الانفلات اللفظي التي تُشبه «داء السعار السياسي»؛ حالة تجعل صاحبها يهاجم كل من يتحرك أمامه، حتى لو كان أقرب المقربين إليه ممن تحمّلوا مسؤولية قيادة الحزب والحكومة في أشد الفترات حرجا.
لقد أصبح بنكيران اليوم، وأسلوب نقاشه تحديدا، في حاجة ماسة إلى «حقنة علاجية» شفافة تعيد إليه توازنه وهيبته، وتضع حدا لهذا الداء الذي يُفرغ الخطاب الحزبي من محتواه الفكري والأخلاقي ويحوله إلى حلبة للملاكمة اللفظية. هذه الحقنة العلاجية تتطلب من بنكيران التعافي العاجل من عقدة الظهور الإعلامي الصاخب وتصفية الحسابات الشخصية علنا، ليدرك أن زعماء الأحزاب الحقيقيين هم من يجمعون الصفوف ويصونون كرامة رفاق مسيرتهم، وليس من يطردونهم على المباشر ويطلبون منهم التواري في البيوت.
إن المغاربة اليوم بحاجة ماسة إلى حلول اقتصادية واجتماعية، وإلى معارضة قوية تقدم بدائل تنموية واضحة، وليس إلى “حلقات” من السباب والعدائية والتراشق بالاتهامات. لقد حان الوقت لكي يستريح لسان بنكيران، وأن يكف عن تقمص دور ضحية الجميع، مدركا أن قوة السياسي ورصانته تقاس دائما بوزن أفكاره وحكمته، لا بحدة لسانه وغزارة شظايا هجماته.
تابع إيجاز بلس على جوجل
اختر إيجاز بلس مصدراً مفضلاً لتظهر لك أخبارنا أولاً في نتائج «أهم الأخبار».

