
حين يصبح البحر صندوق اقتراع للشباب
لم تعد المشاهد القادمة من سواحل الفنيدق وسبتة المحتلة مجرد أخبار عابرة أو أرقام تضاف إلى أرشيف الهجرة غير النظامية. ما حدث خلال الأيام الأخيرة، مع تدفق أعداد كبيرة من الشباب والأطفال وحتى العائلات نحو البحر، أعاد طرح سؤال أكبر من الهجرة نفسها: ماذا يدفع إنسانا إلى اعتبار البحر أقل خطرا من البقاء؟
قد يختلف الناس في تفسير هذه الموجة. هناك من يراها نتيجة تحريض عبر مواقع التواصل، وهناك من يربطها بظروف اقتصادية واجتماعية، وآخرون يعتبرونها أزمة أمنية قبل كل شيء. لكن وسط كل هذه التفسيرات، تبقى حقيقة واحدة لا يمكن تجاهلها: آلاف الشباب لم يتخذوا القرار نفسه في الوقت نفسه من فراغ.
المؤلم في هذه الأحداث أن البحر لم يعد يبتلع فقط العاطلين عن العمل أو من يعيشون الهشاشة، بل أصبح يستقبل طلبة، ورياضيين، وحرفيين، وشبابا يملكون قصصا مختلفة لكنهم يشتركون في شعور واحد: أن المستقبل الذي ينتظرهم على الضفة الأخرى يبدو، في نظرهم، أوضح من المستقبل الذي يرونه أمامهم.
وهنا ينبغي أن نكون صرحاء. لا يمكن اختزال الظاهرة في المقاربة الأمنية وحدها، كما لا يمكن تفسيرها بالوضع الاقتصادي وحده. فالهجرة الجماعية بهذا الحجم هي رسالة مركبة، تختلط فيها أزمة الثقة مع أزمة الأمل، ويتداخل فيها الشعور بالإقصاء مع الإحساس بأن الزمن يمر دون أن تتغير حياة كثير من الشباب.
لا أحد عاقل يمكن أن يشجع الهجرة غير النظامية، فهي طريق محفوف بالموت، وقد دفعت عائلات كثيرة ثمناً باهظا وهي تنتظر خبرا عن أبنائها الذين لم يعودوا من البحر. لكن في المقابل، لا يجوز أيضاً الاكتفاء بإدانة من غامروا، دون أن نسأل أنفسنا: لماذا أصبح الموت احتمالاً مقبولاً لدى البعض، بينما يبدو البقاء أكثر قسوة؟
المغرب حقق خلال السنوات الماضية أوراشاً تنموية كبرى، واستثمارات مهمة، ومشاريع بنية تحتية يفتخر بها الجميع. لكن قيمة أي نموذج تنموي لا تقاس فقط بحجم الطرق والموانئ، بل أيضاً بقدرته على إقناع شبابه بأن لهم مكاناً فيه، وأن أحلامهم يمكن أن تتحقق داخل الوطن، لا خارجه.
ربما تكون أخطر صورة في أحداث سبتة ليست مشهد السباحة، ولا الحشود على الصخور، بل ذلك الإصرار الذي رأيناه في عيون شباب قرروا أن يواجهوا البحر وهم يعلمون أن النهاية قد تكون مأساوية. عندما يصبح الخوف من المستقبل أكبر من الخوف من الغرق، فهذه ليست أزمة حدود فقط، بل إنذار يستحق أن يُقرأ بعمق.
فالهجرة ليست دائماً بحثاً عن أوروبا… أحيانا تكون هروبا من الإحساس بأن الحلم أصبح بعيدا. والسؤال الذي يجب أن يشغل الجميع اليوم ليس: كم شخصا وصل إلى سبتة؟ بل: كم شخصا فقد الثقة في أن مستقبله يمكن أن يُبنى داخل بلده؟
تابع إيجاز بلس على جوجل
اختر إيجاز بلس مصدراً مفضلاً لتظهر لك أخبارنا أولاً في نتائج «أهم الأخبار».

