الهجرة غير النظامية إلى سبتة.. عندما يفتح الصمت الحكومي الباب أمام تضارب الروايات

الهجرة غير النظامية إلى سبتة.. عندما يفتح الصمت الحكومي الباب أمام تضارب الروايات

حجم الخط + -

أعادت موجة الهجرة غير النظامية نحو مدينة سبتة المحتلة طرح سؤال التواصل الحكومي في تدبير الأزمات، بعدما تحولت القضية إلى حدث إقليمي استقطب اهتمام وسائل الإعلام الدولية، في وقت غابت فيه أي رواية رسمية مغربية تشرح للرأي العام حقيقة ما جرى.

وبينما تناقلت وسائل الإعلام صور محاولات العبور الجماعي، واعتمدت الحكومات ووسائل الإعلام الأجنبية على بيانات وتصريحات رسمية، ظل الرأي العام المغربي ينتظر بلاغاً حكومياً أو خروجاً إعلامياً يضع الوقائع في سياقها، ويجيب عن الأسئلة التي فرضتها التطورات الميدانية.

أرقام كبيرة… لكنها صادرة عن الجانب الإسباني

وفق المعطيات التي أعلنتها السلطات الإسبانية، فإن ما يقارب 60 ألف شخص عبروا إلى مدينة سبتة خلال أيام قليلة، بينما قدرت وزارة الداخلية الإسبانية أن نحو 49 ألف شخص دخلوا المدينة خلال 24 ساعة فقط، قبل أن تؤكد السلطات المحلية أن أكثر من 48 ألفاً غادروها لاحقاً في إطار عمليات العودة إلى المغرب. كما أعلن ممثل الحكومة الإسبانية في سبتة ارتفاع حصيلة الوفيات إلى 57 شخصاً جراء الغرق أو التدافع أثناء محاولات العبور.

ورغم ضخامة هذه الأرقام، فإن السلطات المغربية لم تصدر، إلى حدود الآن، أي حصيلة رسمية تؤكد أو تنفي هذه المعطيات، ما جعل الرواية الإسبانية المصدر الأساسي الذي اعتمدت عليه معظم وسائل الإعلام الدولية.

غياب البلاغ الرسمي يوسع دائرة التساؤلات

في القضايا التي تستأثر باهتمام الرأي العام، يصبح التواصل المؤسساتي جزءاً من إدارة الأزمة، وليس مجرد إجراء بروتوكولي.

فإلى جانب التدخلات الأمنية والميدانية، ينتظر المواطنون توضيحات رسمية بشأن ما وقع، وحقيقة الأرقام المتداولة، والإجراءات المتخذة، خاصة عندما يتعلق الأمر بملف حساس مثل الهجرة غير النظامية، الذي يمس الأمن والجانب الإنساني والعلاقات الثنائية مع إسبانيا.

لكن في أزمة سبتة، غابت الرواية الرسمية المغربية، تاركة المجال أمام الأخبار القادمة من الخارج، في وقت امتلأت فيه منصات التواصل الاجتماعي بروايات متضاربة وأرقام متفاوتة.

معطيات حقوقية تزيد المشهد تعقيداً

وفي خضم الجدل، كشف فرع الجمعية المغربية لحقوق الإنسان بتطوان أن 2826 مهاجراً تمكنوا من الوصول إلى سبتة منذ بداية سنة 2026 وحتى منتصف يوليوز، كما تحدث عن انتشال 26 جثة بالسواحل المحاذية للمدينة منذ مطلع السنة، مع تسجيل وفيات جديدة خلال الأيام الأخيرة، معتبراً أن المنطقة تعيش “مأساة إنسانية متواصلة”. وتبقى هذه الأرقام صادرة عن هيئة حقوقية وليست عن جهة حكومية.

الصمت لا يمنع انتشار الروايات

في عصر الإعلام الرقمي، لم يعد الفراغ الإعلامي يدوم طويلا، إذ سرعان ما تملؤه الشائعات والتسريبات والروايات غير المؤكدة.

وتؤكد تجارب إدارة الأزمات أن التأخر في تقديم المعلومة الرسمية يمنح مصادر أخرى فرصة لاحتكار السردية، وهو ما حدث خلال أزمة سبتة، حيث تابع المغاربة تطورات ملف يمس حدود بلادهم من خلال وسائل إعلام أجنبية، في غياب رواية رسمية مغربية متكاملة.

ولا يتعلق الأمر بالمطالبة بالكشف عن تفاصيل أمنية أو معطيات قد تؤثر على سير العمليات، وإنما بتقديم الحد الأدنى من المعلومات التي تضمن حق المواطنين في المعرفة، وتضع حداً للتأويلات التي انتشرت على نطاق واسع.

هل يحتاج التواصل الحكومي إلى مراجعة؟

أظهرت أزمة سبتة أن تدبير الأزمات لا يقاس فقط بالإجراءات الميدانية، بل أيضاً بسرعة التواصل ووضوح الرسائل الرسمية.

فكلما تأخر الخطاب الرسمي، اتسعت مساحة الإشاعة، وتراجعت قدرة المؤسسات على قيادة النقاش العمومي بالمعلومة الدقيقة.

ومع استمرار غياب أي توضيح حكومي بشأن ما شهدته سبتة، يبقى السؤال مطروحاً: هل كان من الأفضل أن تبادر الحكومة إلى تقديم روايتها للرأي العام، حتى وإن كانت في حدود المعطيات المتوفرة، بدل ترك المجال مفتوحاً أمام روايات خارجية أصبحت المرجع الأول لفهم ما حدث؟

تابع إيجاز بلس على جوجل
اختر إيجاز بلس مصدراً مفضلاً لتظهر لك أخبارنا أولاً في نتائج «أهم الأخبار».

أضف إيجاز بلس كمصدر مفضل في جوجل