حين يهدد السياسي الصحافة.. أوزين يختار الطريق الخطأ
#image_title

حين يهدد السياسي الصحافة.. أوزين يختار الطريق الخطأ

حجم الخط + -

المشكلة في ما كتبه محمد أوزين ليست أنه غضب من إدريس شحتان، وليست أنه قرر الرد عليه. فمن حق أي سياسي أن يرفض ما ينشر عنه، وأن يعترض على صحافي، وأن يدخل معه في مواجهة علنية وقوية إذا اقتضى الأمر.

المشكلة تبدأ عندما يتوقف الرد عن كونه ردا، ويتحول إلى شيء آخر تماما.

وهذا، في تقديرنا، ما وقع لأمين عام حزب الحركة الشعبية.

قرأنا كلام أوزين نبحث عن أجوبة على ما نشر، فوجدنا اتهامات. بحثنا عن الوقائع، فوجدنا نعوتا. بحثنا عن الحجة السياسية، فحضرت الشخصنة. وحين وصلنا إلى عبارة أن «الساعة قد اقتربت»، لم نعد أمام سجال عادي بين سياسي وصحافي، بل أمام لغة تفتح الباب أمام أكثر من سؤال.

أي ساعة؟

ومن يملك تحديد موعدها؟

وبأي صفة يتحدث أمين عام حزب سياسي بهذه اللغة إلى صحافي يختلف معه؟

هناك فرق كبير بين أن تقول لشخص: ما نشرته عني كذب وهذه أدلتي، وبين أن تقول له، بما يفهم منه الوعيد، إن ساعته اقتربت.

الأولى مواجهة مشروعة.

والثانية خطاب لا ينبغي لمسؤول سياسي أن يستهين بما يمكن أن يحمله من دلالات.

محمد أوزين ليس مطالبا بالصمت. بالعكس، من حقه أن يدافع عن نفسه بكل قوة. لكن قوة السياسي يفترض أن تظهر في قوة حجته، لا في ارتفاع منسوب التهديد في كلامه.

إذا كان إدريس شحتان قد نشر أكاذيب، فلتكشف.

إذا كانت هناك وثائق تنفي ما نشر، فلتعرض.

وإذا كانت لدى أوزين معطيات تثبت ما تحدث عنه من ابتزاز أو فساد أو مساومة، فهناك مؤسسة واحدة مخولة لها أن تحول الاتهام إلى إدانة: القضاء.

أما مواقع التواصل الاجتماعي فليست محاكم.

والتدوينات ليست أحكاما.

والأمناء العامون للأحزاب ليسوا قضاة.

هذه قواعد بسيطة، لكنها تصبح أكثر أهمية عندما يتعلق الأمر بمسؤول حزبي يفترض فيه أن يكون مدركا للفرق بين حقه في الرد وبين استعمال موقعه السياسي في خصومة مع صحافي.

ثم لماذا أقحام الأسرة والموتى والأنساب في خلاف يفترض أن موضوعه الصحافة والسياسة والمجلس الوطني للصحافة؟

ماذا تضيف العائلة إلى حقيقة خبر؟

وماذا يضيف الحديث عن الموتى إلى صحة وثيقة؟

وما علاقة الأنساب بصحة ما نشره صحافي أو خطئه؟

لا شيء.

حين يصل السجال إلى هذه المناطق، تكون الحجة قد غادرت النقاش، وتكون الشخصنة قد أخذت مكانها.

والمثير أكثر أن كل ذلك يقدم تحت عنوان الدفاع عن الأخلاق ومحاربة «التفاهة».

لكن الأخلاق لا يمكن الدفاع عنها بالتجريح.

ولا تحارب التفاهة بإنتاج المزيد منها.

ولا تصلح الصحافة بإهانة الصحافيين.

إذا كان محمد أوزين يريد نقاشا حقيقيا حول واقع الإعلام، فليخضه. وإذا كان لديه موقف من المجلس الوطني للصحافة، فليدافع عنه سياسيا وقانونيا. وإذا كان يرى أن هناك اختلالات داخل القطاع، فليقدمها للرأي العام مدعمة بما يثبتها.

هذا سيكون نقاشا يستحق أن نخوضه جميعا.

أما تحويل قضية مهنية إلى خصومة شخصية، ثم تحويل الخصومة إلى قاموس من الاتهامات والوعيد، فلن يصلح الصحافة ولن يرفع من قيمة السياسة.

والمجلس الوطني للصحافة تحديدا أكبر من هذه المعركة.

ليس ملكا لشحتان حتى يصبح الدفاع عنه دفاعا عن شخص، وليس ملكا لأوزين حتى تتحول معارضته إلى معركة شخصية مع من يخالفه.

إنه شأن مهني ومؤسساتي يجب أن يناقش بالقوانين والاختيارات والتصورات.

أما «تامغرابيت»، التي جرى استحضارها بدورها، فلا ينبغي أن تتحول إلى سلاح في الخصومات.

المغربية ليست جائزة يمنحها سياسي لمن يتفق معه.

ولا يستطيع مسؤول حزبي أن يجعل نفسه حارسا على وطنية الآخرين.

تامغرابيت أوسع من أوزين، وأوسع من شحتان، وأوسع من خلافهما.

لكن المسألة الأهم هنا تتجاوز الرجلين معا.

إنها تتعلق بنوع العلاقة التي نريدها بين السياسة والصحافة.

السياسي ليس فوق النقد.

والصحافي ليس فوق المساءلة.

ومن أخطأ يتحمل مسؤوليته.

لكن هذه المسؤولية يحددها القانون، وليس مزاج الخصوم.

وحين يخطئ صحافي، لا يحتاج السياسي إلى تهديده. يكفيه أن يكشف خطأه، وأن يقدم الحقيقة، وأن يلجأ إلى القضاء إذا كان الأمر يستوجب ذلك.

ذلك أكثر قوة من مائة تدوينة غاضبة.

لأن الصحافي يمكن أن يخطئ، ويمكن أن يكذب، ويمكن أن يتجاوز القانون، وحين يفعل فهناك مؤسسات لمحاسبته.

لكن السياسي الذي يرد على الصحافة بمنطق الوعيد يرتكب خطأ آخر: يعطي الانطباع بأنه لا يريد فقط الرد على ما كتب، بل يريد تأديب من كتبه.

وهذا فرق كبير.

خصوصا عندما يصدر الكلام عن أمين عام حزب.

فالصفة هنا ليست تفصيلا.

محمد أوزين يقود تنظيما سياسيا ويطمح، مثل باقي قادة الأحزاب، إلى ثقة المواطنين وإلى المشاركة في تدبير المؤسسات. ولذلك فإن الطريقة التي يتعامل بها مع النقد اليوم تقدم للرأي العام فكرة عن الطريقة التي يفهم بها السلطة غدا.

لهذا كان منتظرا منه أن يكون أكثر حرصا على كلماته، لا أقل.

أن يكون أكثر تمسكا بالمؤسسات، لا أكثر اندفاعا نحو الشخصنة.

وأن يقدم للناس نموذجا لمسؤول سياسي يستطيع أن يكون غاضبا من الصحافة دون أن يتحول غضبه إلى وعيد.

كان يستطيع أن يضع شحتان أمام مسؤولية ما نشره، خبرا خبرا وواقعة واقعة.

اختار طريقا آخر.

وهنا خسر النقاش السياسي جزءا كبيرا من معناه.

فالصحافة لا تواجه بالوعيد.

تواجه بالحقيقة.

والاتهام لا يواجه باتهام أكبر.

يواجه بالدليل.

ومن يعتقد أنه ضحية جريمة لا يعلن للناس أن «ساعة» خصمه اقتربت.

يطرق باب القضاء.

هناك فقط تعرف ساعة الحقيقة.

تابع إيجاز بلس على جوجل
اختر إيجاز بلس مصدراً مفضلاً لتظهر لك أخبارنا أولاً في نتائج «أهم الأخبار».

أضف إيجاز بلس كمصدر مفضل في جوجل