سبتة ومليلية المحتلتان: لماذا لم يسترجعهما المغرب بعد سبعة عقود؟

سبتة ومليلية المحتلتان: لماذا لم يسترجعهما المغرب بعد سبعة عقود؟

حجم الخط + -

بإيجاز: تبقى سبتة ومليلية المحتلتان تحت الإدارة الإسبانية بعد سبعين سنة على استقلال المغرب، رغم تمسك المملكة بمغربيتهما. ويعود ذلك إلى تداخل عوامل عدة: رفض مدريد أي تفاوض على السيادة، وغياب المدينتين عن لائحة الأمم المتحدة لتصفية الاستعمار، وكلفة أي تصعيد، وشبكة المصالح التي تربط البلدين.

تظل سبتة ومليلية المحتلتان من أبرز الملفات العالقة في العلاقات المغربية الإسبانية. فالقضية ليست مجرد خلاف حدودي، بل امتداد لتاريخ طويل من التوسع الأوروبي في شمال إفريقيا، وملف سيادي تتداخل فيه الاعتبارات التاريخية والقانونية مع موازين القوة والمصالح الاقتصادية والحسابات الدبلوماسية.

ورغم مرور سبعين سنة على استقلال المغرب سنة 1956، لا تزال المدينتان تحت الإدارة الإسبانية، ما يطرح سؤالاً جوهرياً: لماذا لم يتمكن المغرب حتى اليوم من استرجاعهما؟ الجواب لا يكمن في الحقائق التاريخية وحدها، ولا في الخطاب المطالب بالاسترجاع، بل في فهم العوامل التي تجعل الانتقال من المطالبة بالسيادة إلى تغيير الوضع القائم عملية شديدة التعقيد.

من السيطرة البرتغالية إلى الإدارة الإسبانية

تعود جذور القضية إلى القرن الخامس عشر. فقد سيطرت البرتغال على سبتة سنة 1415، وبقيت المدينة تابعة للتاج الإسباني بعد انفصال البرتغال عن إسبانيا سنة 1640، قبل أن تُكرَّس تبعيتها لإسبانيا رسمياً بموجب معاهدة لشبونة سنة 1668. أما مليلية المحتلة، فقد سيطرت عليها قشتالة سنة 1497.

وجاء ذلك في سياق التوسع الإيبيري على السواحل المغاربية، حين سعت القوى الأوروبية إلى السيطرة على مواقع استراتيجية في الضفة الجنوبية للبحر الأبيض المتوسط. وإلى جانب المدينتين، لا تزال إسبانيا تسيطر على جزر وصخور صغيرة قرب الساحل المغربي، أبرزها صخرة بادس، وجزيرة النكور قبالة الحسيمة، والجزر الجعفرية.

ومع حصول المغرب على استقلاله سنة 1956، لم يشمل استرجاع السيادة جميع المناطق التي ظلت تحت الإدارة الإسبانية. واستعاد المغرب أراضيه على مراحل: طرفاية سنة 1958، ثم سيدي إفني سنة 1969، ثم الصحراء سنة 1975، فيما بقيت سبتة ومليلية المحتلتان خارج هذا المسار.

ومنذ ذلك الحين، يواصل المغرب المطالبة بالمدينتين استناداً إلى اعتبارات تاريخية وجغرافية وسيادية، في مقابل تمسك إسبانيا باعتبارهما جزءاً من أراضيها الوطنية. غير أن قروناً من الإدارة الإسبانية، وحضور مؤسساتها السياسية والإدارية في المدينتين، جعلا القضية أعقد من مجرد استحضار تاريخ السيطرة الأولى. فالتاريخ يفسر جذور النزاع، لكنه لا يحسم وحده جوانبه القانونية والسياسية المعاصرة.

المعبر الحدودي بين المغرب وسبتة المحتلة
المعبر الحدودي بين المغرب ومدينة سبتة المحتلة (صورة أرشيفية)

ميزان القوة.. لماذا لا تكون المواجهة العسكرية خياراً واقعياً؟

من أبرز العوامل التي تفسر استمرار الوضع القائم طبيعة ميزان القوة والمخاطر المرتبطة بأي مواجهة عسكرية محتملة. صحيح أن سبتة ومليلية المحتلتين تقعان على الساحل الشمالي للمغرب، وأن موقعهما يربطهما بالمجال الجغرافي المغربي، لكن القرب الجغرافي لا يعني القدرة على تغيير السيادة بالقوة أو ضمان الاحتفاظ بنتائج أي تحرك عسكري.

فإسبانيا عضو في الاتحاد الأوروبي وفي حلف شمال الأطلسي، وتمتلك قدرات عسكرية وبحرية وجوية متقدمة. وأي محاولة لفرض السيطرة على المدينتين بالقوة ستتحول إلى أزمة دولية تتجاوز حدود الخلاف الثنائي بين الرباط ومدريد، مع ما قد يرافقها من خسائر بشرية واضطرابات اقتصادية وعقوبات وتراجع في الاستثمارات والتعاون الدولي.

وتجدر الإشارة إلى أن المادة السادسة من معاهدة حلف شمال الأطلسي تحدد المجال الجغرافي لالتزام الدفاع المشترك بأراضي الدول الأعضاء في أوروبا وأمريكا الشمالية، والجزر الواقعة شمال مدار السرطان. ولذلك يرى عدد من الباحثين أن سبتة ومليلية المحتلتين، الواقعتين في القارة الإفريقية، لا يشملهما هذا الالتزام بشكل صريح. لكن ذلك لا يغير كثيراً في الحسابات، لأن ارتباط إسبانيا بالاتحاد الأوروبي وبالتحالفات الغربية يجعل أي مواجهة مكلفة سياسياً واقتصادياً.

من هذا المنطلق، لا يعني تجنب المواجهة العسكرية التخلي عن المطالبة المغربية، بل يعكس إدراكاً لكلفة تغيير الوضع القائم بالقوة، في غياب ضمانات لتحقيق الهدف بأقل الخسائر.

القانون الدولي.. بين المطالبة التاريخية وواقع السيادة

تمثل المسألة القانونية أحد أكثر جوانب القضية تعقيداً. فالمغرب يستند إلى اعتبارات تاريخية وجغرافية ووحدة ترابه، بينما تعتمد إسبانيا على طول مدة إدارتها للمدينتين، واستمرار سيطرتها الفعلية عليهما، واندماجهما في نظامها الدستوري، إذ تتمتعان منذ سنة 1995 بوضع «مدينة ذات حكم ذاتي» بموجب نظامين أساسيين خاصين.

وفي هذا السياق، صادق المغرب على اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار يوم 31 ماي 2007، وأرفق مصادقته بإعلان أكد فيه مجدداً أن سبتة ومليلية وجزيرة الحسيمة وصخرة بادس والجزر الجعفرية «أراضٍ مغربية»، وأن المصادقة على الاتفاقية لا تعني بأي حال الاعتراف بالسيادة الإسبانية عليها.

في المقابل، لا تدرج الأمم المتحدة المدينتين ضمن قائمة الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي الخاضعة لمسار تصفية الاستعمار. ويحد هذا الواقع من إمكانية طرح القضية دولياً باعتبارها ملف تصفية استعمار معترفاً به أممياً، دون أن يعني ذلك سقوط المطالبة المغربية أو حسم النزاع بحكم قضائي دولي.

كما تناولت دراسة أكاديمية للباحث جيمي ترينيداد، نشرتها مجلة «International and Comparative Law Quarterly» الصادرة عن جامعة كامبريدج سنة 2012، الحجج القانونية التي تستند إليها المطالب المغربية، وخلصت إلى وجود صعوبات قانونية معتبرة أمامها. وتبقى هذه الدراسة تحليلاً أكاديمياً، وليست حكماً قضائياً يفصل في السيادة على المدينتين.

وتكشف هذه المعطيات فجوة بين قوة الحجة التاريخية في الخطاب الوطني وبين الشروط القانونية والسياسية اللازمة لإحداث تغيير فعلي. فالمطالبة بالسيادة لا تتحول تلقائياً إلى حق قابل للتنفيذ دولياً، كما أن استمرار السيطرة الفعلية لا يحسم بالضرورة كل النقاش حول المشروعية التاريخية.

إسبانيا ترفض التفاوض.. والمدينتان جزء من حساباتها الداخلية

لا يرتبط تعثر الملف بالتوازنات الدولية وحدها، بل أيضاً بالموقف الإسباني نفسه. فمدريد تعتبر سبتة ومليلية المحتلتين جزءاً من أراضيها الوطنية، وترفض التعامل معهما باعتبارهما مستعمرتين أو موضوعاً قابلاً للتفاوض على السيادة. وقد تعزز هذا الارتباط عبر مؤسسات الحكم الذاتي والنظام الدستوري الإسباني، واندماج المدينتين في الحياة السياسية والإدارية والاقتصادية لإسبانيا.

كما أن سكان المدينتين يحملون الجنسية الإسبانية ويتمتعون بحقوق سياسية ومدنية، وهو عنصر لا يمكن تجاوزه عند التفكير في أي تسوية مستقبلية. ولذلك قد تواجه أي حكومة إسبانية صعوبات داخلية كبيرة إذا فتحت نقاشاً حول مستقبل المدينتين، لأن المسألة تتجاوز الحسابات الدبلوماسية إلى قضايا السيادة ووحدة الأراضي والهوية الوطنية.

ويعني ذلك أن المغرب لا يواجه موقف حكومة إسبانية بعينها، بل موقفاً مؤسساتياً متجذراً يصعب تغييره في غياب تحول سياسي أو استراتيجي كبير.

المصالح الاقتصادية والدبلوماسية.. لماذا يتجنب المغرب فتح جبهة جديدة؟

تجمع المغرب وإسبانيا علاقات اقتصادية وتجارية وأمنية واسعة، تشمل الاستثمار والمبادلات التجارية ومراقبة الهجرة ومكافحة الشبكات الإجرامية والتعاون في قضايا إقليمية متعددة. وتفرض هذه المصالح على الطرفين إدارة خلافاتهما بحذر، لأن أي تصعيد كبير قد ينعكس على قطاعات حيوية للاقتصاد المغربي، في ظل أهمية العلاقات الأوروبية في التجارة والاستثمار والصناعة والسياحة.

كما تحتل قضية الصحراء المغربية مكانة محورية في السياسة الخارجية للمملكة، وهو ما يجعل ترتيب الأولويات الدبلوماسية عاملاً مهماً في طبيعة العلاقة مع مدريد. وقد دخلت العلاقات الثنائية مرحلة جديدة بعد إعلان إسبانيا، في مارس 2022، دعمها لمبادرة الحكم الذاتي المغربية، ثم صدور الإعلان المشترك بين البلدين في 7 أبريل 2022، الذي رسم خارطة طريق لتعاون أوسع.

ولا يعني ذلك وجود اتفاق سري أو صفقة تخلى بموجبها المغرب عن سبتة ومليلية المحتلتين مقابل الموقف الإسباني من الصحراء، إذ لا توجد أدلة تثبت ذلك. الأقرب إلى الواقع أن الدول ترتب أولوياتها وفق مصالحها الاستراتيجية، فتعالج الملفات الأكثر إلحاحاً أو الأكثر قابلية لتحقيق مكاسب، مع إبقاء خلافات أخرى مفتوحة.

وهنا تبرز معضلة المغرب: كيف يحافظ على مطالبته باسترجاع المدينتين، دون الإضرار بمصالحه الاقتصادية والدبلوماسية، ودون تحويل الخلاف إلى مواجهة يصعب التحكم في نتائجها؟

جزيرة ليلى.. درس في حدود التصعيد

شكلت أزمة جزيرة ليلى (تورة) سنة 2002 محطة بارزة في العلاقات المغربية الإسبانية. ففي 11 يوليوز 2002 نشر المغرب عناصر من قواته في الجزيرة الصغيرة غير المأهولة القريبة من سبتة المحتلة، فردت إسبانيا بعد أيام بعملية عسكرية حملت اسم «روميو سييرا» وأخرجت العناصر المغربية منها. وانتهت الأزمة بوساطة أمريكية قادها وزير الخارجية آنذاك كولن باول، أفضت إلى العودة إلى الوضع الذي كان قائماً قبلها.

ورغم اختلاف وضع الجزيرة عن وضع سبتة ومليلية المحتلتين، فقد كشفت الأزمة سرعة تحول الخلافات السيادية إلى مواجهات حادة، حتى عندما يتعلق الأمر بصخرة صغيرة غير مأهولة. كما أظهرت أن تغيير الوضع الميداني لا يضمن مكاسب سياسية دائمة، وأن رد فعل الطرف الآخر والتحالفات المحيطة به قد يحددان مسار الأزمة ونتائجها.

هل يستطيع المغرب تعزيز موقفه عبر الاقتصاد؟

في ظل صعوبة الخيار العسكري وتعقيدات المسار القانوني، تبرز التنمية الاقتصادية أداة يوظفها المغرب لتعزيز موقعه في شمال المملكة. فالتوسع في البنية التحتية والموانئ والصناعة والخدمات اللوجستية، وتطوير جهات طنجة وتطوان والناظور، يزيد جاذبية المجال الاقتصادي المغربي ويعزز قدرته التنافسية في غرب البحر الأبيض المتوسط.

ويبرز ميناء طنجة المتوسط، إلى جانب مشروع ميناء الناظور غرب المتوسط، عنصرين أساسيين في التحول الاقتصادي الذي تعرفه المنطقة. غير أن هذا المسار لا ينبغي أن يُحمَّل أكثر مما يحتمل، فتعزيز الاقتصاد المغربي قد يرفع القدرة التفاوضية ويقلص أشكال الاعتماد الاقتصادي على المدينتين، لكنه لا يؤدي تلقائياً إلى انتقال السيادة عليهما.

ميناء طنجة المتوسط في شمال المغرب
ميناء طنجة المتوسط، أحد أعمدة التحول الاقتصادي في شمال المملكة (صورة أرشيفية)

جبل طارق.. هل تكشف المقارنة ازدواجية إسبانية؟

يستحضر كثير من المغاربة قضية جبل طارق للمقارنة بين موقف إسبانيا من الأرض التي تطالب بها، وموقفها من المطالب المغربية. فمدريد تطالب باستعادة جبل طارق من المملكة المتحدة استنادا إلى اعتبارات تاريخية وجغرافية، بينما ترفض المطالبة المغربية بسبتة ومليلية المحتلتين.

ومن منظور مغربي، تثير هذه المقارنة سؤالا سياسيا مشروعا حول مدى استعداد إسبانيا لتطبيق المنطق نفسه على خلافها مع المغرب. لكن الوضعين لا يتطابقان قانونيا، فلكل قضية تاريخها ومعاهداتها، كما أن جبل طارق مدرج لدى الأمم المتحدة ضمن الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي، بخلاف سبتة ومليلية المحتلتين. لذلك تصلح المقارنة في النقاش السياسي حول اتساق المواقف، لكنها لا تكفي وحدها لحسم النزاع.

ما الاستراتيجية الأكثر واقعية أمام المغرب؟

يقتضي استمرار المطالبة بسبتة ومليلية المحتلتين الانتقال من استحضار التاريخ إلى بناء استراتيجية طويلة الأمد، تقوم على تعزيز البحث التاريخي والقانوني، وتطوير القدرات الدبلوماسية، وتنمية شمال المملكة، والحفاظ على قنوات الحوار مع إسبانيا، مع تقييم مستمر للتحولات الإقليمية والدولية التي قد تفتح فرصاً جديدة للتفاوض.

ولا يعني هذا النهج التخلي عن المطالبة، بل التعامل معها باعتبارها ملفاً سيادياً يحتاج إلى أدوات سياسية واقتصادية وقانونية متكاملة، بعيداً عن الشعارات التي ترفع سقف التوقعات دون أن تغير موازين الواقع. فأي تسوية مستقبلية ستحتاج، على الأرجح، إلى تغير في الموقف الإسباني، وإلى معالجة حقوق السكان ومصالحهم، وإلى ظروف إقليمية ودولية تجعلها ممكنة ومستدامة.

خلاصة: غياب الاسترجاع لا يعني التخلي عن المطالبة

السؤال الحقيقي ليس لماذا لم يسترجع المغرب سبتة ومليلية المحتلتين بالقوة، بل لماذا لم تتوفر حتى اليوم الشروط السياسية والقانونية والاستراتيجية التي تسمح بتغيير الوضع القائم. فالمدينتان إرث تاريخي معقد، وموقع جغرافي بالغ الأهمية، وملف سيادي تتداخل فيه المصالح الوطنية مع موازين القوة والتحالفات الدولية.

ولا يمكن اختزال استمرار الإدارة الإسبانية في عامل واحد، كما لا يمكن تفسيره بتخلٍّ عن المطالبة. إنه نتيجة تفاعل عوامل متعددة: رفض إسبانيا التفاوض على السيادة، وصعوبة المسار القانوني الدولي، وكلفة المواجهة، وأهمية المصالح الاقتصادية والدبلوماسية. فالتاريخ يفسر جذور المطالبة لكنه لا يضمن وحده تحقيقها، وموازين القوة قد تعرقل التسوية اليوم، لكنها لا تجعل مستقبل الملف محسوماً إلى الأبد.

المصادر والمراجع

1. Jamie Trinidad, «An Evaluation of Morocco’s Claims to Spain’s Remaining Territories in Africa», International and Comparative Law Quarterly، المجلد 61، العدد 4، جامعة كامبريدج، 2012. رابط الدراسة

2. الأمم المتحدة، الإعلانات والتصريحات المرفقة بالمصادقة على اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، ومنها إعلان المملكة المغربية (31 ماي 2007). الرابط

3. الأمم المتحدة، قائمة الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي. الرابط

4. حلف شمال الأطلسي، نص معاهدة شمال الأطلسي (المادتان 5 و6). الرابط

5. الجريدة الرسمية الإسبانية، القانون التنظيمي 1/1995 المتعلق بالنظام الأساسي للحكم الذاتي لسبتة، والقانون التنظيمي 2/1995 المتعلق بمليلية (13 مارس 1995).

6. الإعلان المشترك بين المملكة المغربية ومملكة إسبانيا، الرباط، 7 أبريل 2022.

7. أزمة جزيرة ليلى (يوليوز 2002). الرابط

تابع إيجاز بلس على جوجل
اختر إيجاز بلس مصدراً مفضلاً لتظهر لك أخبارنا أولاً في نتائج «أهم الأخبار».

أضف إيجاز بلس كمصدر مفضل في جوجل